العيني

99

عمدة القاري

25 ( ( باب تحْرِيضِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ عَلَى أنْ يَحْفَظُوا الإِيمانَ والعِلْمَ وَيُخْبِرُوا مَنْ وَرَاءَهُمْ ) ) أي : هذا باب في بيان تحريض النبي صلى الله عليه وسلم . والتحريض ، بالضاد المعجمة ، على الشيء : الحث عليه . قال الكرماني : والتحريص ، بالمهملة بمعناه أيضاً . وقال بعضهم : من قالها بالمهملة فقد صحف . قلت : إذا كان كلاهما يستعمل في معنى واحد لا يكون تصحيفاً ، فإن أنكر هذا القائل استعمال المهملة بمعنى المعجمة فعليه البيان . والوفد : هم الذين يقدمون أمام الناس ، جمع : وافد ، وعبد القيس قبيلة . وقد مر تفسير أكثر ما في هذا الباب في : باب أداء الخمس من الإيمان . وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول هو السؤال والجواب ، وهما غالباً لا يخلوان عن التحريض لأنهما تعليم وتعلم ، ومن شأنهما التحريض . وقال مالِكُ بنُ الحُوَيْرِثِ : قال لنا النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم : ( ارْجِعُوا إِلَى أهْلِيكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ ) . الكلام فيه على أنواع . الأول : أن هذا التعليق طرف من حديث مشهور أخرجه البخاري في الصلاة والأدب وخبر الواحد كما سيأتي إن شاء الله تعالى . وأخرجه مسلم أيضاً . الثاني : أن مالك بن الحويرث ، مصغر الحارث ، بالمثلثة : ابن حشيش ، بفتح الحاء المهملة وبالشين المعجمة المكررة ، وقيل : بضم الحاء ، وقيل : بالجيم : ابن عوف بن جندع الليثي ، يكنى أبا سليمان ، قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ستة من قومه فأسلم وأقام عنده أياماً ، ثم أذن له في الرجوع إلى أهله ، روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة عشر حديثاً ، اتفقا على حديثين ، وانفرد البخاري بحديث . وهذا أحد الحديثين المتفق عليه ، والآخر في : الرفع والتكبير . نزل البصرة وتوفي بها سنة أربع وتسعين ، روى له الجماعة . الثالث : قوله : ( إلى أهليكم ) جمع الأهل ، وهو يجمع مكسراً نحو : الأهال والأهالي ، ومصححا بالواو والنون . نحو : الأهلون ، وبالألف والتاء نحو : الأهلات . الرابع : فعلموهم ، وفي بعض النسخ : فعظوهم . 87 حدّثنا مُحمَّدُ بنُ بشَّارٍ قال : حدّثنا عُنْدَرٌ قال : حدّثنا شُعْبَةُ عنْ أبي جَمْرَةَ قال كُنْتُ أتَرْجِمُ بَيْنَ ابنِ عَبَّاسٍ وبَيْنَ النَّاسِ ، فقال : إنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ أَتُوا النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال : ( مَنِ الوَفْدُ ؟ أوْ : مَنِ القَوْمُ قالُوا : رَبِيعَةُ . فقال : ( مَرْحَباً بالْقوْمِ ) أوْ : بِالوَفْدِ ( غَيْرَ خَزَايَا ولا نَدَامَى ) . قالُوا : إِنَّا نَأتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ وبَيْننَا وَبيْنَك هَذَا الحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ ولا نَسْتَطِيعُ أنْ نَأْتِيَكَ إلاَّ فِي شَهْرٍ حَرَامٍ ، فَمُرْنا بأمْرٍ نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنا نَدْخُلُ بِهِ الجَنَّةَ . فأمَرَهُمْ بأرْبَعٍ ونَهاهُمْ عَنْ أرْبَعٍ ، أمَرَهُمْ باْلإِيمان بالله عَزَّ وجَلَّ وحْدَهُ . قال : ( هَلْ تَدرُونَ ما الإِيمانُ بالله وحْدَهُ ؟ ) قالُوا : الله ورسُولُهُ أعْلَمُ . قال : ( شَهادَةُ أنْ لا إِلاهَ إِلاَّ الله وأنّ مُحمَّداً رسولُ الله ، وإِقامُ الصَّلاةِ ، وإِيتاءُ الزَّكاةِ ، وَصَوْمُ رَمَضانَ ، وتُعْطُوا الخُمُسَ مِنَ المغْنَم ) ونَهَاهُمْ عنِ الدُّبَّاءِ والحَنْتَمِ والمُزَفَّتِ قال شُعْبَةُ : رُبَّما قال : النَّقِيرِ ، وَرُبَّما قالَ : المُقَيَّرِ . قال : ( احْفَظُوهُ وأخْبِرُوهُ مَنْ وَرَاءَكُمْ ) . . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة . بيان رجاله : وهم خمسة ذكروا جميعاً ، وغندر اسمه محمد بن جعفر ، وأبو جمرة بالجيم اسمه نصر بن عمران ، وهذا الحديث ذكره البخاري في تسعة مواضع قد ذكرناها في باب : أداء الخمس من الإيمان ، أخرجه هناك عن علي بن الجعد عن شعبة عن أبي جمرة ، وهذا ثاني المواضع عن محمد بن بشار عن غندر عن شعبة عن أبي جمرة ، فلنتكلم ههنا على الألفاظ التي ليست هناك . فقوله : ( كنت أترجم ) أي : اعبر للناس ما أسمع من ابن عباس ، وبالعكس . قوله : ( قالوا : ربيعة ) إنما قالوا : نحن ربيعة ، لأن عبد القيس من أولاده ، وما قال التيمي من قوله ، لأن ربيعة بطن من عبد القيس ، فهو سهو منه . قوله : ( من شقة بعيدة ) ، بضم الشين المعجمة ، وهو السفر البعيد ، وربما قالوه بكسرها . وفي ( العباب ) : الشق ، بالضم : البعد . قال تعالى : * ( بعدت عليهم الشقة ) * ( التوبة : 42 ) وقال ابن عرفة : أي الناحية التي تدنو إليها . قال الفراء : وجمعها شقق ، وحكي عن بعض قيس : شقق . وقال البرندي : إن فلاناً